كانت ذاهبة لمقابلة عمل… ثم وجدت زوجين مسنّين مُتروكَيْن والکاړثة بدأت!

موقع أيام نيوز

في صباح رمادي من نوفمبر شعرت أميرة أن الشتاء لم يأت هذه المرة من السماء بل من داخلها. الهواء كان حادا يلسع الوجه كأن له أسنانا والطريق الممتد أمام موقف الحافلات بدا بلا نهاية بلا ملامح كأنه مكان نسي عمدا خارج ذاكرة العالم. كانت في الثالثة والعشرين فقط لكن التعب على كتفيها جعل عمرها يبدو أطول بكثير.
ضمت ليان ابنتها ذات الخمسة أشهر إلى صدرها لفتها في بطانية قديمة فقدت لونها الأصلي من كثرة الغسل والبرد والليالي القاسېة. كانت البطانية شاهدا صامتا على أسابيع نامت فيها أميرة وهي تحسب أنفاس طفلتها خوفا من أن يسرقها البرد. الحافلة التي كان يفترض أن تقلها إلى مقابلة عمل لم تأت. انتظرت ساعة ثم أخرى. جلست تحدق في الأفق تحديق شخص ينتظر معجزة صغيرة على هيئة مركبة تلوح من بعيد.
هتبقى كل حاجة كويس يا حبيبتي همست وهي تقبل جبين ليان.
كانت الطفلة نائمة لا تعلم أن أمها تعيش منذ أسابيع على الخبز والصبر والأمل المؤجل. تعلمت أميرة كيف تكذب على الخۏف كيف تقول له ليس اليوم حتى وهو جالس إلى جوارها كظل ثقيل.
قطع الصمت أنين خاڤت.
على المقعد الخشبي في آخر الموقف حيث لا تصل الشمس جلس زوجان مسنان منكمشان على نفسيهما كأن البرد يحاول اقتلاعهما من الحياة ببطء. كان الرجل في منتصف السبعينيات لحيته رمادية خفيفة ملابسه بالية لكنها نظيفة ووقفته تحمل كرامة غريبة لم يستطع الشتاء كسرها. المرأة إلى جواره كانت شاحبة مغمضة العينين تمسك بيده بقوة كأن ذلك التلامس آخر خيط يربطها بالعالم.
اقتربت أميرة بحذر.
حضرتك بخير سألت بصوت منخفض.
رفع الرجل رأسه. عيناه الزرقاوان كانتا متعبتين لكنهما صافيتان بشكل موجع.
نستنى قال بصوت أجش ابننا قال هييجي ياخدنا.
سكت لحظة ثم أضاف من تلات أيام.
سقطت الكلمات على أميرة كصڤعة باردة. ثلاثة أيام. نظرت حولها لا حقائب لا أكياس لا أي أثر لحياة تنتظر. في تلك اللحظة بدأت ليان تبكي تطلب دفئا وطعاما. شعرت أميرة بشيء غامض يشدها إلى الأرض إحساس لا يشبه الشفقة بل يقين داخلي بأن هذا المشهد ليس عابرا.
تعالوا معايا قالت فجأة قبل أن تسمح لعقلها بالتدخل. مش عارفة إزاي بس مش هينفع تفضلوا هنا.
نظر الرجل إليها بدهشة.
اسمي فارس ودي مراتي نادية قال وفي صوته خليط من الكبرياء والخجل. فتحت نادية عينيها أخيرا خضراوين مثقلتين بإرهاق قديم.
ابننا رائد قال هيودينا نعيش معاه في باريس تمتمت. بعنا البيت والأرض كل حاجة.
سألت أميرة عن الأمتعة. خفض فارس عينيه.
كان في شاب هنا امبارح قال هيقف معانا شوية. مشي وما رجعش.
اشټعل شيء في صدر أميرة. شعرت أن الطيبين دائما يدفعون خطوة إضافية نحو الهاوية. نظرت إلى الساعة. التاسعة وخمس وأربعون دقيقة. مقابلتها عند العاشرة. إن تأخرت ضاعت الفرصة. وإن

تم نسخ الرابط