عاد الملياردير إلى منزله بشكل مفاجئ
هل تكرهين ابنتك
ضحكت ضحكة قصيرة متوترة.
لا تقل هذا أنا فقط تعبت. لم أكن مستعدة لطفلة عمياء. حياتي الاجتماعية سمعتي كل شيء تغير.
أغلق روبرتو الملف الذي أمامه وقال
إذن المشكلة لم تكن في العصير بل فيها.
صمتت.
منذ عامين وأنا أظن أنك أم مثالية. كنت أعمى أكثر منها.
وفي الصباح التالي حدث ما لم يتوقعه أحد.
أعلنت إجراءات الانفصال. انتقلت الزوجة إلى جناح منفصل ريثما تستكمل الإجراءات القانونية وسحبت منها الوصاية على الطفلة مؤقتا.
أما الصدمة الحقيقية فلم تكن تلك.
بعد أيام طلب روبرتو من ماريا الجلوس معه.
قدم لها ملفا قديما وقال
بحثت في سجلات المستشفى يوم ولدت ابنتي.
ارتعشت يداها.
كنت هناك أليس كذلك
أومأت ببطء.
كنت تعملين ممرضة متدربة وكنت آخر من حملها قبل خروجها من غرفة العمليات.
اڼهارت ماريا بالبكاء.
لم أكن أريد أن يعرف أحد
قال بهدوء
اختبار الحمض النووي أكد الأمر. أنت أمها البيولوجية.
سقطت الكلمات كالصاعقة.
زوجتي لم تستطع الإنجاب أقنعتها العائلة بالتبني سرا حفاظا على الاسم. وأنا لم أكن أعلم.
رفعت ماريا رأسها والدموع تنهمر
وافقت لأنني كنت فقيرة لكنني لم أتوقف يوما عن حبها. حين فقدت بصرها لم أحتمل أن أراها تهان.
وقف روبرتو وتقدم خطوة نحوها.
اليوم فقط فهمت لماذا ألقيت بنفسك أمامها دون تردد.
ثم قال بصوت متهدج
لن تكوني خادمة بعد الآن.
مرت شهور.
انتقلت الطفلة للعيش في جناح جديد داخل القصر جناح لم يكن أكثر اتساعا من غيره لكنه كان مختلفا في روحه. امتلأت جدرانه بألوان دافئة وتعطرت أركانه برائحة الزهور الطبيعية لا تلك الباهظة التي كانت تستبدل كل صباح بل زهور بسيطة اختارتها ماريا بعناية لأنها تشعر الطفلة بالطمأنينة حين تلمس أوراقها. صار الضوء يتسلل عبر النوافذ الواسعة بهدوء وكأن المكان خلق ليحتضن قلبا صغيرا أنهكته القسۏة قبل أن يفهم معنى الألم.
أصبحت ماريا إلى جوار الطفلة رسميا لا بصفتها خادمة كما كانت لسنوات بل بوصفها الأم التي لم تتخل يوما عن دورها حتى وهي صامتة. كانت توقظها صباحا بصوت
حنون تمشط شعرها ببطء وتحدثها عن تفاصيل اليوم عن الشمس في الخارج وعن الطيور التي تحط على الشرفة وعن الأشياء التي لا تراها العين لكن يشعر بها القلب. للمرة الأولى لم تعد الطفلة تشعر بأنها عبء أو خطأ يجب احتماله بل روحا تستحق الحب والرعاية.
خضعت الطفلة لجلسات علاج نفسي منتظمة وتلقت دعما خاصا مع مختصين علموها كيف تتعامل مع عالم لا تراه دون خوف أو خجل. شيئا فشيئا بدأت تستعيد ثقتها بنفسها وتعلمت أن تطلب ما تحتاجه دون ارتعاش في صوتها. عادت ضحكتها الصغيرة لتملأ أروقة الجناح ضحكة لم يسمعها روبرتو منذ زمن بعيد فكانت تصيبه في كل مرة برجفة خفيفة في القلب ممزوجة بندم صامت.
وفي إحدى الأمسيات الهادئة جلست الطفلة على الأريكة القريبة من النافذة تمسك بيد ماريا بكلتا يديها وكأنها تخشى أن يختفي الأمان إن أفلتته. قالت بصوت دافئ خال من الخۏف الذي كان يسكنه سابقا
أشعر بك كأنك نوري حتى وأنا لا أرى.
في تلك اللحظة كان روبرتو يقف عند الباب يراقب المشهد بصمت.
أدرك أخيرا أن البصر الحقيقي لا علاقة له بالعينين وأن العمى قد يسكن القلوب قبل أن يصيب الأبصار. فهم أن المال والجاه لم يمنحاه الحكمة وأن امرأة متواضعة لا تملك سوى قلب صادق استطاعت أن تنقذ ابنته من ظلام لم يكن سببه فقدان النظر بل فقدان الرحمة.