خربشة تحت البلاط بقلم أوراليس
المحتويات
عليها بخط دقيق
لو وصلت هنا أنت مش أول واحدة تسمعي.
تراجعت عواطف خطوة وكادت تغلق الدفتر لكن عينيها ظلتا معلقتين بالكلمات.
أكملت القراءة
القرية مش پتخاف من المۏت القرية پتخاف من اللي يفضل عايش بعده.
اللي يسمع الخربشة مش بيسمعها بأذنه.
الخربشة بتكون جوا دماغه جوا المكان اللي بيخبي فيه الحقيقة عن نفسه.
قلبت الصفحة فوجدت قائمة أسماء.
أسماء تعرفها وجوه تمر عليها كل يوم.
وبجانب كل اسم علامة صغيرة دائرة أو خط أو نجمة.
آخر اسم في القائمة كان عواطف.
وبجانب اسمها لم تكن دائرة ولا خط بل نقطة حبر سوداء كبيرة كأن القلم ضغط بقسۏة حتى اخترق الورق.
شعرت عواطف بأن حلقها جف.
كيف كتبته متى ولماذا
سمعت في تلك اللحظة صوتا يأتي من داخل البيت
ليس من الصالة بل من ناحية الممر المؤدي إلى الغرف المغلقة.
صوت جر شيء خفيف على الأرض
ثم توقف.
رفعت عواطف رأسها وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت شبه مېت
في حد هنا
لم يجب أحد.
لكن البيت فعل شيئا آخر
هز الدفتر في يدها.
لم يكن بسبب الهواء ولا بسبب رعشة يدها.
الصفحات اهتزت وحدها وانفتحت بسرعة على صفحة في المنتصف
كأن شخصا يقلبها لها.
وعلى الصفحة المفتوحة كان سطر واحد مكتوب حديثا حبره ما زال لامعا
ما تكمليش لأنك لو كملتي هتفتكري.
لم تكن عواطف تعرف ما الذي ستتذكره
لكنها شعرت أن جسدها كله يعرف.
كل خلية فيها تراجعت
ومع ذلك أصابعها كانت تقلب الصفحة التالية ببطء رغما عنها.
وقبل أن ترى ما فيها صدر من خلفها صوت خاڤت جدا قريب جدا
كأنه واقف عند كتفها
أنا مش أم وداد.
لم تلتفت عواطف فورا.
الصوت كان قريبا جدا لدرجة أنه لم يأت من خلفها فقط بل كأنه خرج من داخل أذنها.
أنا مش أم وداد.
تجمدت.
حاولت أن تقنع نفسها أن من قالها هو خيالها أو حبل صوتي في عقلها يبحث عن تفسير.
لكن أنفاسها تغيرت لأن البيت تغير معها.
لم تعد الصالة صالة.
صارت كأنها مساحة انتظار.
الجدران أغمق والضوء أضعف حتى الشمس التي تدخل من النافذة كانت تبدو خجولة كأنها لا تريد أن ترى.
شدت عواطف الدفتر إلى صدرها ومشت نحو الممر.
كان ممرا ضيقا ينتهي بثلاثة أبواب.
أبواب لم ترها مفتوحة في حياتها.
في الماضي كانت تمر من هنا فقط حين تضع الخبز أمام عتبة البيت ثم تهرب.
الآن كانت تقف أمام باب أيسر عليه قفل قديم كأنه من زمن آخر.
القفل كان مفتوحا.
مدت يدها ترددت ثم دفعت الباب.
فتحت الغرفة على رائحة غبار و شيء آخر.
رائحة ليست كريهة لكنها كانت ثقيلة تشبه رائحة ملابس قديمة تركت طويلا في صندوق مغلق.
دخلت عواطف خطوة واختفى صوت الصالة خلفها كأن الباب قطعها عن العالم.
الغرفة كانت صغيرة وفيها سرير حديدي ومرآة طويلة وخزانة خشبية.
لكن الشيء الذي جعل عواطف تضع يدها على فمها لم يكن الأثاث
بل المرآة.
المرآة لم تعكسها.
كانت تقف أمامها ترى كتفها ووجهها جزئيا لكن وسط المرآة كان هناك ظل.
ظل واقف في مكانها.
ظل طويل رقبته أطول مما يجب وملامحه غير واضحة لكنه يملك عينين
عينين تنظران إليها من داخل انعكاسها.
تراجعت عواطف خطوة والظل تراجع معها.
رفعت يدها والظل رفع يده.
لكن حين فتحت فمها لتصرخ لم يفتح الظل فمه.
ابتسم فقط.
سمعت خشخشة خفيفة من داخل الخزانة.
كأن أحدا يحرك شيئا بين الملابس.
قالت بصوت مرتجف
مين مين هناك
لم يجب أحد.
لكن الدفتر في يدها بدأ يسخن.
سخونة غير طبيعية كأن الكلمات تحترق بداخله.
فتحته بسرعة فوجدت صفحة جديدة لم تكن موجودة قبل دقائق.
كانت تكتب الآن سطرا سطرا كما لو أن قلما غير مرئي يخطها.
دخلت الغرفة اللي نسيتيها.
المرآة مش مرآة
دي باب.
واللي جوا الباب كان مستنيكي.
توقفت الكلمات لحظة ثم ظهر سطر
متابعة القراءة