بعد أن طردتُ طفلًا ليس من دمي… اكتشفتُ بعد 10 سنوات أنه ابني الحقيقي
المسافة التي فرضت يوما ثم صارت ضرورة.
قررت أن أذهب.
لم أخبر أحدا.
لم أحضر كلمات.
لم أتدرب على لقاء.
ذهبت كما يذهب إنسان يعرف أنه ضيف لا صاحب مكان.
دخلت المعرض بهدوء.
كان المكان ممتلئا بالناس بالأضواء بالأحاديث المتقاطعة وبذلك الضجيج الخفيف الذي يرافق المناسبات الثقافية.
وقفت بين الحضور.
لا في الصف الأول كي لا أبدو متطفلا.
ولا في الظل التام كي لا أبدو هاربا.
اخترت مكانا وسطا يشبه تماما موقعي في حياته.
رأيته من بعيد.
لم أحتج إلى من يدلني عليه.
كان واضحا.
واقفا بثقة يتحدث يشرح أعماله يبتسم دون تكلف.
لم يعد ذلك الطفل الصامت الذي كان يطأطئ رأسه.
كان رجلا يعرف من هو وماذا صنع وإلى أين يتجه.
راقبته بصمت.
لم أقترب.
لم أفرض لحظة عناق.
لم أبحث عن دمعة.
اكتفيت بأن أكون هناك.
أن أراه وأن أسمح لنفسي بالاعتراف ولو داخليا أنني فخور به حتى إن لم يكن لي الحق في قول ذلك بصوت عال.
وعندما انتهى الافتتاح بدأ الناس يغادرون.
تحرك في القاعة مر بالقرب مني.
توقف لحظة.
نظر إلي.
لم يتكلم.
لم يبتسم ابتسامة كبيرة.
لم يتجاهلني أيضا.
أومأ برأسه.
إيماءة صغيرة.
هادئة.
بلا ضجيج.
لكنها كانت كل شيء.
كانت اعترافا بوجودي.
وليست عودة كاملة.
كانت قبولا مشروطا لا غفرانا مطلقا.
وكان ذلك بالنسبة لي أكثر مما أستحق.
في تلك اللحظة فهمت درسا تأخر كثيرا.
فهمت أن بعض الأخطاء لا يمكن محوها.
لا يمكن التظاهر بأنها لم تحدث.
ولا يمكن إصلاحها بالكامل مهما طال الزمن أو صدقت النيات.
هناك أفعال حين ترتكب تترك أثرا دائما مثل ندبة لا تختفي لكنها تتوقف عن الڼزف.
لكن الندم الصادق
حين يكون حقيقيا غير صاخب غير استعراضي
حين لا يطلب تصفيقا ولا غفرانا سريعا
حين يكون صامتا مستمرا ومسؤولا
قد يجد طريقه إلى القلب.
لا ليعيد الماضي.
ولا ليغير ما حدث.
بل ليمنع تكرار الخړاب.
ليجعلنا أهدأ أصدق وأكثر وعيا بما يمكن أن ندمره بكلمة واحدة.
وتعلمت أخيرا أن السعادة لا تكمن في الكمال.
ولا في أن نكون آباء مثاليين.
ولا في أن نعيش بلا أخطاء.
فهذا وهم.
السعادة الحقيقية تكمن في الشجاعة.
شجاعة مواجهة أنفسنا دون أعذار.
شجاعة الاعتراف بما خذلناه وبمن آذيناه.
وشجاعة البقاء
حتى حين لا يطلب منا البقاء.
حتى حين يكون وجودنا صامتا غير مرئي وغير مضمون.
أحيانا هذا هو أقصى ما يمكننا فعله.
وأحيانا يكون كافيا.
هكذا فقط
يمكن لشيء جديد أن يبدأ.
لا بداية صاخبة
ولا نهاية مثالية
بل مسار هادئ ناضج صادق.
ولو جاء متأخرا.