6 دولارات فقط عند صندوق الدفع… وما حدث بعدها لم يكن في الحسبان أبدًا
دفعت ستة دولارات ثمن حليب أطفال وفي صباح اليوم التالي سلمني مديري ظرفا غير كل شيء.
أبلغ من العمر أربعين عاما وقد قضيت ما يقارب نصف حياتي خلف صندوق الدفع في متجر بقالة وهذا يعني أنني أصبحت أتقن لغة صامتة كاملة تتكون من النظرات والتردد وتسارع الأنفاس وارتجاف الأيدي والأمهات اللواتي يعدن النقود مرتين على أمل خفي أن يتقلص المجموع إذا حدقن فيه طويلا. أرى من يشتري الزهور ويتظاهر بأنه غير وحيد ومن يشتري كعكة للاحتفال بشيء لن يخبر أحدا عنه ومن يمرر بطاقة الائتمان وهو يدعو في صمت ألا ترفض ومن درب نفسه على الابتسام وكأن كل شيء على ما يرام بينما لا شيء كذلك. وبحلول هذه المرحلة أصبحت أقرأ اليأس بسهولة قراءة الرموز الشريطية.
كان الوقت يقترب من الحادية عشرة ليلا تلك الساعة الغريبة التي تشعر فيها أن المتجر قد زفر وأنهى أنفاسه الرفوف تطن بتعب وأضواء الفلوريسنت تطن كصرير صراصير بعيدة وآخر المتسوقين يتنقلون بين الممرات كأنهم يمشون وهم نيام. كنت قد أنهيت عد درج الصندوق ذهنيا وخططت لكيفية اڼهياري على سريري تلك الليلة ثم ظهرت هي.
امرأة تحمل طفلها في حاملة مهترئة مشدودا إلى صدرها ورأسه مستقر تحت ذقنها ذلك النوع من القرب الذي تراه عندما تحاول أم أن تحمي طفلها من كل شيء حتى من الواقع الذي ټغرق فيه.
لم تكن تملك عربة ممتلئة. فقط الأساسيات خبز حليب بيض بضع قطع من الفاكهة. وعلبة حليب الأطفال التي استقرت في الأعلى كأنها وعد وثقل في آن واحد. عندما أخبرتها بالمبلغ فتشت في محفظتها ثم في معطفها ثم في حقيبتها. كانت أصابعها ترتجف أكثر مع كل ثانية تمر كأن كل دولار مفقود ينتزع جزءا من كرامتها. أخيرا نظرت إلي وصوتها خرج همسا متشققا
ينقصني ستة دولارات هل يمكنك إلغاء حليب الأطفال
لم يتردد جسدي لحظة. تحركت يدي قبل أن يمنح عقلي نفسه فرصة للاعتراض وأخرجت ستة دولارات مجعدة من جيبي. قلت بهدوء ومن دون أي استعراض
لا. أنا سأدفعها. خذي كل شيء. عودي إلى البيت. أطعمي طفلك.
نظرت إلي بدهشة وحرج وارتياح وامتنان في اللحظة نفسها. امتلأت عيناها بالدموع فجأة حتى شعرت وكأنني كسرت شيئا داخلها ولكن بطريقة جيدة كالرباط المشدود أكثر من اللازم حين يبدأ بالارتخاء مؤلما في البداية. تمتمت بكلمة شكرا وكأنها تعرف أن الكلمات أصغر من أن تكفي. ثم ألصقت خدها برأس طفلها كأنها تخشى أن يجعلها الفرح ټنفجر وغادرت.
لم أتوقع أن أراها مرة أخرى. هكذا تسير هذه اللحظات دائما تعيشها ترفعك قليلا ثم تختفي داخل ماكينة الحياة اليومية.
في صباح اليوم التالي دخلت نوبتي قهوتي لم تستكمل بعد ورأسي ما يزال مثقلا بالنعاس حين مزق مكبر الصوت كل هدوء
ميغان إلى مكتب المدير. فورا.
كل أمين صندوق يعرف نبرة ذلك النداء. لا تشبه الاستعجال العادي. إنها نبرة المتاعب. انقبضت معدتي بينما بدأ عقلي ينبش پعنف في كل تفاصيل نوبتي السابقة. هل نسيت إلغاء عملية هل تركت الصندوق مفتوحا هل هناك تدقيق من الإدارة العليا أم الأسوأ من ذلك هل اشتكى أحد مما فعلته
دخلت المكتب. لم يكن مديري دانيال على حالته المعتادة من الحزم الممزوج بسخرية خفيفة. بدا حذرا على غير العادة كأنه يحمل شيئا هشا. أشار إلي أن أجلس.
قال
هل دفعت ثمن مشتريات شخص ما الليلة الماضية
لم يرتجف صوتي
نعم. ستة دولارات. كانت تنقصها وكان الحليب لطفلها.
لم يوبخني. لم يلق محاضرة عن السياسات. بل زفر ببطء