ادّعى العجز أيّامًا قليلة… فانهار قصر الأكاذيب في لحظة واحدة
عاد إستيبان رويز إلى منزله على كرسي متحرك كمن يعود من حرب لم يرها أحد. لم يكن في جسده آثار دماء ولا في وجهه ندوب معارك لكن التعب الذي حمله كان أعمق من كل الجراح الظاهرة. أغلق الباب الأوتوماتيكي خلفه بهمس فاخر لا تشوبه شائبة ومع ذلك كان الهواء باردا كأن القصر نفسه أدرك قبله أن شيئا ما قد انكسر وأن الصمت الذي سيسكن الجدران لم يعد صمت راحة بل صمت انتظار.
على مدى عشر سنوات بنى إستيبان إمبراطوريته التقنية حجرا فوق حجر فكرة فوق فكرة. لم يكن ابن حظ ولا وريث ثروة جاهزة بل رجلا صنع مكانه بيديه عبر التطوير المستمر والاجتماعات التي لا تنتهي والسفر المتواصل وطموح مصقول بالانضباط. كانت له مكاتب في ثلاث دول وعقود توقع بالأرقام الكبيرة وسيارات تلمع كالمرآة وجدول أعمال ممتلئ إلى حد جعله لوقت طويل لا يلاحظ الحقيقة الأوضح والأكثر قسۏة الوحدة أيضا تنمو حين تسقى بالصمت وحين يؤجل القلب باسم النجاح.
دخلت دانييلا حياته بالطريقة التي تدخل بها الأشياء التي تبدو كأنها قدر. لم ټقتحم لم تفرض نفسها بل جاءت بابتسامة مثالية وصوت عذب وحضور يعرف متى يقترب ومتى يصمت. قالت له أحبك في توقيت بدا صحيحا لا متأخرا ولا متسرعا فبدت العبارة كأنها وعد لا يحتاج إلى شرح. كانت في الثامنة والعشرين بصورة تصلح للمجلات ويدين معتنى بهما بعناية وموهبة خطېرة في قول ما يريد الآخر سماعه تماما. كانت تعرف متى تمدحه ومتى تصمت ليشعر أنه هو من يتكلم.
كانت تردد
أنت رجل مذهل يا إستيبان لا أحد يفكر مثلك.
وكان يصدقها لا لأنه ساذج بل لأن في داخله جزءا متعبا كان يريد أن يصدق جزءا سئم أن يكون قويا طوال الوقت.
لكن في الآونة الأخيرة بدأ قلق خفي يشد صدره دون سبب واضح. لم يكن غيرة ولم يكن شكا صريحا بل إحساس أدق وأقسى شعور بأن القرب صار آليا وأن الاهتمام صار منظما أكثر من اللازم وأن الأحاديث التي كانت يوما حية تحولت إلى واجهة أنيقة تخفي فراغا باردا. كانت دانييلا تتحدث عن الأرائك الإيطالية وتجديد البنتهاوس عن الإضاءة المناسبة لكل غرفة وعن تفاصيل لا تمس القلب وكان إستيبان يصغي كما يصغى إلى موسيقى خلفية جميلة لكنها لا تحرك شيئا في الداخل.
في أحد الأيام كانت السيارة المدرعة تنتظر خارج عيادة. لم يهتم بتفاصيل المكان فالزيارات الطبية أصبحت جزءا من روتينه الممل. كان راميرو السائق والحارس الشخصي الذي لازمه عشر سنوات قد خرج ليجلب قهوة. بقي إستيبان وحده في المقعد الخلفي يتفقد بريده الإلكتروني على هاتفه بملل يمرر الرسائل كما يمرر أيامه الأخيرة.
ثم جاء صوت تنبيه صغير يكاد لا يلحظ.
في درج السيارة كان هاتف دانييلا. تركته هناك إما عادة أو ثقة محسوبة. لم يكن عليه رمز قفل. كانت تقول دائما
أنا لا أخفي شيئا حياتي مفتوحة.
فتح إستيبان الهاتف دون تفكير حقيقي لا بدافع التجسس بل بدافع الغياب المؤقت للعقل. وفي تلك اللحظة بالذات وصلت رسالة من جهة محفوظة باسم حرف واحد G.
كانت الرسالة قصيرة مباشرة بلا مجاملات
هل يمكن تمرير الملف اليوم أم نؤجل الخطوة القادمة
لم يتوقف العالم. لم تطفأ الأنوار. لم يحدث شيء درامي.
لكن إستيبان توقف.
حدق في الشاشة طويلا كأن الكلمات مكتوبة بلغة جافة لا يعرفها لغة لا تشبه أحاديث الزملاء العادية ولا رسائل العمل السطحية. كانت هناك نبرة تنظيم ترتيب شيء لا يقال عادة بهذه الطريقة.
لم يرد.
لم