حبستُ زوجتي لإرضاء أمّي… وفي الصباح اختفت ومعها كلّ شيء
المحتويات
الطفل وأنا أركض خلفهما أصرخ أمد يدي لكن المسافة بيننا لا تقل أبدا.
استيقظ مذعورا وقلبي يخفق وصدري ضيق وكأن الخسارة تحدث من جديد كل ليلة.
شيئا فشيئا بدأت أرى الحقيقة كما هي بلا تبريرات بلا أقنعة. أدركت أنني طوال عامين كاملين كنت أستمع إلى صوت واحد فقط صوت أمي. كنت أطيع وأبرر وأسكت أي صوت آخر باسم البر والواجب. لم أستمع إلى زوجتي يوما استماعا حقيقيا. لم أسأل نفسي كيف تشعر ولا ماذا تحتاج ولا كم كانت تتألم بصمت.
لم أحمها حين كان يجب أن أحميها. لم أدافع عنها حين أهينت. لم أكن زوجا بل كنت مجرد امتداد لأمي. وهي تركت كل شيء من أجلي. تركت مدينتها أهلها دعمها واستقرت في مكان لم يكن لها فيه أحد سواي. وأنا بدل أن أكون ملاذها كنت سبب خۏفها.
ذات صباح وفي لحظة لم تكن تشبه أي صباح مر علي من قبل اقتربت مني عمتي دونيا لوبيتا. لم تكن من النساء اللواتي يكثرن الكلام ولا من أولئك اللواتي يتلذذن بإعطاء النصائح. كانت امرأة عركتها الحياة طويلا ومرت عليها خيبات وخسارات جعلتها ترى الأمور كما هي بلا تزيين ولا مجاملات. لم ترفع صوتها ولم تبدأ باللوم أو العتاب بل نظرت إلي طويلا نظرة من يعرف أن الكلمات التي سيقولها ستترك أثرا لا يمحى.
ظلت صامتة بضع ثوان قبل أن تتكلم وكأنها تمنحني فرصة أخيرة لأن أستعد لما سأسمعه. ثم قالت بصوت هادئ لكنه حاسم
اسمع يا بني. عندما ترفع امرأة دعوى طلاق وخصوصا حين يكون السبب إساءة فالأمر لا يؤخذ بخفة. هذا ليس ڠضبا عابرا ولا ټهديدا لتخويفك. المرأة لا تصل إلى المحكمة إلا بعد أن تستنزف تماما. ومن تلك النقطة يكون التراجع صعبا جدا.
توقفت قليلا ثم أكملت
أمامك طريقان لا ثالث لهما إما أن تقبل بالخسارة وتعيش معها وتتحمل نتائج ما فعلت أو أن تطلب الصفح بصدق حقيقي. لا بالكلام الجميل ولا بالوعود الفارغة بل بالفعل. وأكثر ما يقلقني يا بني أن هذا الأمر لم يعد شأنكما وحدكما. لقد خرج من حدود البيت وأصبح شأن العائلة كلها وسمعتها وما سيقال عنها اليوم وغدا.
كانت كلماتها كأنها تسحب من داخلي واحدة تلو الأخرى. لم أجادلها ولم أحاول الدفاع عن نفسي. كنت أعلم في قرارة نفسي أن ما تقوله ليس مبالغة ولا تهويلا. كنت أعرف لكنني كنت أتهرب من الاعتراف.
أخذت نفسا عميقا نفسا حاولت أن أملأ به صدري الذي كان يضيق أكثر مع كل فكرة. شعرت وكأن كل شيء يجثم على صدري دفعة واحدة بلا رحمة أمي بحضورها الطاغي وسلطتها التي لم أجرؤ يوما على كسرها. الأقارب بنظراتهم وكلماتهم وأحكامهم التي لا تنتهي. ضغط المجتمع الذي لا يرحم رجلا يقال إن زوجته تركته بسبب إساءة. الخۏف من الڤضيحة من أن يذكر اسمي مقرونا بالعاړ. الخۏف من القانون من القاعات المغلقة ومن الأحكام التي لا تغيرها الأعذار. الخۏف من المستقبل من أن أستيقظ ذات يوم وأجد نفسي وحيدا بلا زوجة بلا طفل وبلا معنى واضح لما تبقى من حياتي.
لكن وسط كل هذا الركام من المخاۏف كان هناك خوف واحد يعلو فوق الجميع خوف لا يشبه أي خوف آخر خوف لم يكن نظريا ولا اجتماعيا ولا قانونيا بل كان شخصيا عاريا يمس القلب مباشرة
أن لا أسمع ابني يناديني أبي كل صباح.
أن تمر الأيام ثم السنوات وهو يكبر بعيدا عني ينطق بالكلمة ذاتها لشخص
آخر أو
متابعة القراءة