كلبٌ عجوز تُرك وحيدًا في البرد… وما فعله غيّر مصير طفل للأبد
كان الثلج يتساقط بلا توقف في تلك الليلة يهبط بصمت ثقيل ويكسو الطرقات والأشجار والعالم كله برداء أبيض قاس كأن الطبيعة قررت أن تحبس أنفاسها. لم يكن في الأفق سوى الريح ولا صوت يسمع سوى صفيرها وهي ټضرب الأرض المجمدة بلا رحمة.
الكلب العجوز لم يعد يذكر متى توقف عن كونه نافعا. تلاشت الذكريات في رأسه كما تتلاشى آثار الأقدام في الثلج لكن إحساسه بالخذلان كان حاضرا بقوة. لسنوات طويلة حرس البيت بإخلاص نبح في وجه الغرباء سهر الليالي الباردة عند الأبواب ورافق أصحابه في لحظات الوحدة الطويلة. كان جزءا من المكان ظلا صامتا لا يطلب شيئا سوى البقاء.
لكن الزمن لا يرحم الضعفاء.
وفي أحد الأيام وهو مستلق قرب الجدار سمع كلمات لم يفهم معناها كله غير أن نبرتها كانت حاسمة باردة نهائية
لم يعد يصلح إنه عجوز.
لم يعرف ماذا يعني ذلك لكنه شعر بأن شيئا ما قد انكسر في داخله.
أدخلوه إلى السيارة.
تحرك ذيله ببطء واطمأن قلبه.
ظن أنهم ذاهبون إلى البيت.
لكنهم لم يكونوا كذلك.
توقفت السيارة في طريق فرعي مهجور وسط برد يخترق العظام. فتح الباب. تجنب الرجل النظر في عينيه كأنه يخشى أن يرى فيهما ما لا يريد تحمله. قفز الكلب إلى الخارج بثقة اعتادها يهز ذيله كما كان يفعل دائما منتظرا إشارة العودة.
لكن السيارة انطلقت.
ابتعدت الأضواء.
وتلاشى صوت المحرك شيئا فشيئا حتى لم يبق سوى الريح والثلج.
انتظر الكلب.
وانتظر طويلا.
جلس ثم وقف ثم جلس من جديد.
كان ينتظر تلك اللحظة التي اعتادها دائما لحظة العودة لحظة أن ينادى باسمه. لكن شيئا لم يحدث. وحين فهم أخيرا أنهم لن يعودوا كان جسده قد بدأ يرتجف لا من شدة البرد وحده بل من الإرهاق الذي تراكم في عظامه العجوز.
لم تعد قوائمه تطيعه.
لم يعد يستطيع الوقوف طويلا.
انكمش إلى جوار عمود خشبي على جانب الطريق واضعا رأسه بين كفيه مستعدا لأن ينام وألا يستيقظ.
كان ذلك مقبولا.
فقد عاش بما يكفي.
وأعطى ما استطاع.
لكن المۏت في تلك الليلة لم يكن قد انتهى من حساباته بعد.
فجأة اخترق الصمت صوت مختلف.
لم يكن صوت الريح.
ولا صرير الأشجار.
كان بكاء.
ضعيفا.
متقطعا.
بشريا.
رفع الكلب رأسه بصعوبة.
أصغى.
وتحرك شيء في صدره لم يتحرك منذ زمن.
جمع آخر ما تبقى لديه من قوة ونهض متعثرا يسير ببطء شديد ويتبع الصوت خطوة بعد خطوة حتى وصل إلى حاوية مهجورة على جانب الطريق.
في داخلها كانت هناك علبة كرتونية مبتلة مهترئة تكاد ټنهار من شدة الرطوبة.
وفي داخل العلبة كان هناك طفل.
رضيع صغير ملفوف ببطانية رقيقة لا تكاد تقيه شيئا من البرد. كان يبكي بصوت واهن أنفاسه غير منتظمة وشفتيه الصغيرتين تميلان إلى الزرقة من شدة الصقيع.
تراجع الكلب خطوة إلى الوراء.
كان يفهم أكثر مما يبدو.
إن بقي سيموتان معا.
وإن ابتعد سيموت الطفل وحيدا.
هو كان ېموت بالفعل.
رفع الكلب رأسه نحو