حين وقف الرئيس التنفيذي وقال: هذه أمّي… تغيّر كلّ شيء

موقع أيام نيوز

أفكار لم يعد لها مكان.
ابتعد عنها قليلا وأمسك بيديها
يدين قاسيتين مشققتين حملتا الحياة كما هي بلا تجميل.
يدين لم تعرفا المكاتب المكيفة ولا الأقلام الذهبية لكنهما عرفتا التعب الحقيقي.
وقال بهدوء لا يقبل النقاش
تعالي معي.
نظرت إليه نناي ليتا بدهشة حقيقية لا تمثيل فيها
إلى أين لا أستطيع ترك موقعي. هذا واجبي. الناس قد يسيئون الفهم.
ابتسم لها ماركو ابتسامة صغيرة
تلك الابتسامة القديمة.
ابتسامة الطفل الذي كان يعود من المدرسة بثياب مهترئة لكن بعينين مليئتين بالحلم.
قال
لا تقلقي. كل شيء على ما يرام. أنا أملك هذا المبنى لكن الأهم من ذلك كله أنك أمي.
في تلك اللحظة شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
لم يكن التعب هو ما أضعفها بل ثقل الاعتراف.
اعتراف انتظرته دون أن تطلبه.
وحلم لم تجرؤ يوما على تخيله.
سارا معا نحو المصعد.
انفتحت الأبواب ببطء وكأنها تفسح المجال لقصة كاملة كي تمر.
دخل ماركو أولا ثم أشار إليها.
ترددت لحظة.
ثم دخلت.
وقف الموظفون والحرس مشدوهين.
لم يعرفوا هل يشهدون قرارا إداريا مفاجئا أم لحظة إنسانية ستبقى عالقة في ذاكرتهم ما حيوا.
أغلقت الأبواب.
وصعد المصعد في صمت ثقيل.
كانت نناي ليتا تشد أطراف زيها بين أصابعها تنظر إلى الأرض.
لم تكن معتادة على هذا الارتفاع.
ولا على هذا الضوء.
ولا على هذا الاهتمام.
أما ماركو فكان يقف مستقيما.
كأن شيئا داخله عاد إلى مكانه أخيرا.
كأن منصبه لم يعد عبئا بل جسرا.
عندما وصلا إلى الطابق العلوي انفتحت الأبواب على ممر فسيح.
زجاج شفاف.
أرضية لامعة.
قاعة اجتماعات تشبه صالة قرارات مصيرية.
وحين دخلا
ساد الذهول.
توقفت الأحاديث.
تجمدت الأيدي فوق الملفات.
ارتفعت الرؤوس ببطء بعدم تصديق.
رأوا رئيس مجلس الإدارة يدخل بثبات
وبرفقته حارسة أمن.
تقدم ماركو بخطوات واثقة.
أما نناي ليتا فكانت تمشي خلفه نصف خطوة.
تحاول أن تصغر.
أن تختفي.
كما فعلت طوال حياتها كي يلمع هو.
توقف عند صدر الطاولة.
وأدار جسده نحو الحاضرين.
قال بصوت
هادئ لكنه محمل بمعنى لا يخطئه السامع
أيها السادة قبل أن نبدأ الاجتماع هناك أمر أراه أهم من أي بند على جدول الأعمال.
وأشار بيده إليها وكأنه يضعها أخيرا في المكان الذي استحقته طوال عمرها
أود أن أقدم لكم ضيفة اليوم.
تبادلت الوجوه النظرات في صمت متوتر.
بعضهم اعتدل في جلسته.
آخرون أنزلوا أبصارهم.
لم يكن أحد مستعدا لما سيقال ولا لما سيسمعه قلبه قبل أذنه.
اقترب ماركو منها خطوة.
ثم خطوة أخرى.
ووضع ذراعه حول كتفيها.
كانت حركة بسيطة في ظاهرها
لكنها في معناها كانت إعلانا نهائيا
إعلان انتماء.
وإعلان فخر.
وإعلان اعتراف متأخر لكن صادق.
وقال بصوت هادئ لا يحتاج إلى رفعه ليسمع
هل ترون هذه المرأة
توقف قليلا.
كأنه يترك للكلمات أن تجد مكانها.
هذه ليست حارسة أمن فحسب.
هذه المرأة هي قصتي كلها.
حبست نناي ليتا أنفاسها.
شعرت بأن الهواء صار أثقل من أن يدخل رئتيها.
كان قلبها يخفق بقوة لا خوفا بل دهشة.
دهشة أن تقال الحقيقة علنا بعد أن عاشت عمرا كاملا تخفيها.
تابع ماركو وقد بدأت نبرة صوته تحمل أثر الذكريات
حين كنت طفلا كانت تستيقظ قبل الفجر.
لم تكن الشمس قد أشرقت بعد
ولا المدينة قد استيقظت
لكنها كانت هناك تحمل المكنسة وتكنس الشوارع.
ساد صمت أعمق.
ثم تعود إلى البيت لا لتستريح
بل لتغسل ملابس الآخرين.
ملابس لا تشبه ملابسنا
وأحلام لا تخصها
لكنها كانت تغسلها كما لو كانت تغسل مستقبل ابنها قطعة قطعة.
تغيرت ملامح الجالسين.
بعضهم شد على القلم في يده.
آخر مسح عينيه دون أن يشعر.
قال ماركو
وإن لم يكف ذلك
كانت تخرج إلى عمل ثالث
لأن الأحلام لا تنتظر
ولأن الفقر لا يمنح مهلة.
تنفس بعمق ثم أكمل
لم يكن لديها وقت للتعب
ولا رفاهية الشكوى.
كانت تؤجل نفسها دائما
إلى أجل لم يأت.
ساد صمت يشبه الوقوف احتراما.
صمت لا يحرج بل ينصت.
وقال وقد بدا صوته أكثر هدوءا لكن أثقل وقعا
كانت تفعل ذلك كله كي أذهب إلى
تم نسخ الرابط