طفل ناداها «ماما» وسط الحفل… وعندما واجهت ماضيها عند باب دار الرعاية تغيّر كل شيء إلى الأبد!
المحتويات
يدها بحزم.
لن يلمسك. ما دمت حيا.
نظرت إليه بأمل هش.
قال برونو
يمكننا الخروج من نفق الخدمة.
سلمت أديل ماتيو لرودريغو.
قال لها
سنعود إليه. أعدك. لكن والدك يحتاجك الآن.
هزت رأسها والدموع تنهمر.
وللمرة الأولى منذ سنوات لم تكن تركض وحدها.
كان هناك من يركض معها.
وصلوا إلى دار الرعاية في ساعة متأخرة حين كانت المدينة قد خفت ضوضاؤها وصار الضوء البرتقالي لأعمدة الشوارع ينساب على الأرصفة كأنه يحاول أن يهدئ كل شيء. توقفت السيارة أمام مبنى بسيط من طابقين واجهته قديمة لكن مرتبة وعلى النوافذ ستائر بيضاء توحي بأن الداخل يحاول أن يصنع من العادي ملاذا.
لم تتحرك أديل فورا.
ظلت جالسة كفاها مشبوكتان بقوة في حجرها وعيناها معلقتان على الباب الزجاجي حيث ينعكس وجهها شاحبا. كانت أنفاسها قصيرة كأن صدرها ضاق فجأة بكل ما حملته سنوات كاملة.
فتح رودريغو باب السيارة بهدوء ونزل أولا. لم يقل شيئا لم يستعجلها لم يمد يده بفرض أو أمر. اكتفى بأن وقف قرب الباب حاضرا فقط مثل جدار لا يضغط عليك لكنه يمنع الريح.
همست أديل أخيرا كمن يخرج الكلمات من مكان عميق
وماذا لو لم يرد رؤيتي
كان السؤال أكبر من لحظة باب وممر. كان سؤال من اختفى خوفا ومن عاش ثلاث سنوات وهو يقنع نفسه أن الغياب أقل ألما من مواجهة اللوم.
أجاب رودريغو بصوت ثابت
لم يتوقف يوما عن كونه والدك ولا توقفت أنت يوما عن كونك ابنته مهما طال الهروب.
ابتلعت أديل ريقها ونزلت أخيرا. كانت خطواتها مترددة كأن الأرض لا تضمن لها الأمان بعد. وعلى الرغم من برودة الليل كانت يداها ساخنتين من شدة الارتجاف.
عند الباب توقفت ثانية.
كانت هناك لوحة صغيرة تحمل اسم الدار وأسفلها جرس معدني. نظرت إلى الجرس طويلا كأن الضغط عليه سيحرر شيئا أو سيكسر شيئا إلى الأبد.
ضغط رودريغو الجرس بدلا عنها من دون أن يسلبها الاختيار. فعل ذلك كمن يفتح طريقا لا كمن يدفع أحدا داخله.
خرجت ممرضة سألت بفتور معتاد عن الاسم والزيارة. ذكر رودريغو اسمه واسم أديل فلاحظت الممرضة سريعا اختلاف نبرته هذا ليس زائرا عابرا. ثم أومأت ودلتهما على الممر.
دخلت أديل الممر كمن يدخل ذاكرة قديمة. رائحة المطهرات الضوء الأبيض صوت جهاز بعيد يرن بنبض منتظم كلها أشياء قاسېة على من يحاول أن يتماسك. كانت الجدران مزينة بصور طبيعة هادئة لا تخدع أحدا فالهدوء هنا ليس فرحا بل محاولة لتخفيف ثقل الوداع.
وبينما كانا يسيران شعرت أديل بأن خطواتها تسمع أكثر مما ينبغي. شعرت أن كل شيء ېفضحها صوت حذائها رعشة كتفها تلك الوقفة الصغيرة حين تمر بجانب باب مغلق وتخشى أن يخرج منه أحد ينادي اسمها الحقيقي الاسم الذي دفنته داخلها كي تعيش.
همست لنفسها دون أن تقصد
كان ينبغي أن أكون هنا من قبل كان ينبغي
سمعها رودريغو لكنه لم يقاطعها بوعظ. اكتفى بأن قال
أحيانا لا نستطيع العودة إلا عندما نتوقف عن الخۏف من أن يقال لنا فات الأوان. دعينا نرى الحقيقة بدل أن نتخيلها.
توقفت الممرضة عند باب أخير في نهاية الممر وطرقت طرقا خفيفا. ثم فتحت قليلا وقالت
لديكم عشر دقائق الآن هو مستيقظ.
تجمدت أديل عند العتبة.
الداخل مظلم قليلا ضوء خاڤت قرب السرير وجسد نحيل يستند إلى وسائد. كان الزمن واضحا في كل شيء في لون اليدين في بطء التنفس في الصمت الذي يسبق الكلام.
لم تستطع أن تدخل قدميها.
ليس لأن الباب مغلق بل لأن قلبها ظل مغلقا سنوات طويلة حفاظا على البقاء.
مد رودريغو كفه ببطء ليس ليمسكها ويجرها بل ليعطيها
شيئا تستطيع
متابعة القراءة