سخر من زوجته السابقة عاملة نظافة… وبعد دقائق سقط عالمه كله
رئتيه
كأن صدره أفرغ دفعة واحدة
وأن العالم من حوله صار أبعد أبطأ أثقل.
سيدي نأسف لإبلاغكم أن الشريك الاستراتيجي انسحب من الصفقة بالكامل.
وقد تم توقيع عقد حصري مع السيدة إلينا كروز.
ظل يحدق في الشاشة لثوان طويلة
يعيد قراءة الاسم
ثم يعيده مرة أخرى
كأن تغير الحروف قد ينقذه من الحقيقة.
لكن الاسم لم يتغير.
والرسالة لم تختف.
اتسعت عيناه ببطء
لا بدهشة مفاجئة
بل بدهشة ثقيلة متأخرة
تلك التي تأتي حين تدرك أن ما كنت تستهين به
كان أكبر منك منذ البداية.
شعر بانقباض حاد في صدره
لم يكن خوفا فقط
بل إحساسا خانقا بأن شيئا ما قد انكسر في داخله إلى الأبد.
لم تكن الصفقة وحدها هي التي اڼهارت.
بل الصورة التي صنعها لنفسه على مدى سنوات.
صورة الرجل الذي لا يهزم.
الذي يملك الكلمة الأخيرة.
الذي يظن أن الآخرين يدورون في فلكه.
في تلك اللحظة
وقبل أن يجد كلمة واحدة ينطق بها
شعر بذراع ناتالي تسحب فجأة من ذراعه
بقوة حاسمة
كأنها تنتزع نفسها من خطأ تأخر تصحيحه.
استدار نحوها بعينين متسعتين
لكنها لم تنظر إليه كما اعتادت.
لم يكن في عينيها إعجاب
ولا حتى ڠضب صريح.
كان هناك شيء أسوأ
خيبة سريعة باردة
تحول فيها الطموح إلى حساب.
نظرت إليه بحدة
وقد تحول الڠضب في عينيها إلى نفور واضح.
قلت إنك ستصبح نائبا للرئيس! صاحت أكان كل ذلك وهما
خرج صوتها عاليا
حادا
مجردا من أي اهتمام بمكانه أو بمن حوله.
لم تنتظر ردا.
لم تنتظر تفسيرا.
فهي مثل كثيرين غيرها
لم تكن تحب الرجل
بل تحب صورته.
تحب ما كان يعدها به
لا ما هو عليه فعلا.
استدارت وغادرت بخطوات سريعة
متجاهلة النظرات التي بدأت تلاحق المشهد
وكان صوت كعبيها على الأرضية الرخامية أشبه بطرقات متلاحقة
كأنها مطارق تهوي بلا رحمة
على ما تبقى من كبريائه أمام الجميع.
وقف فيكتور مكانه.
لم يمد يده.
لم يناد باسمها.
لم يحاول حتى تبرير ما لا يمكن تبريره.
للمرة الأولى في حياته
لم يكن الرجل الذي تلاحق خطواته
ولا الذي تسترضى كلمته.
كان الرجل الذي يترك خلفه
واقفا في منتصف المكان
كأن الزمن قرر أن يتوقف عنده وحده.
مرت إلينا بجواره.
كانت قريبة بما يكفي ليرى تفاصيل وجهها
صفاء ملامحها
هدوء نظرتها
الثبات الذي لم يكن موجودا يوم تركها.
وبعيدة بما يكفي ليشعر بوضوح مؤلم
أنه لم يعد جزءا من عالمها
ولا حتى ذكرى تستحق الالتفات.
لم تلتفت إليه.
لم تمنحه نظرة شماتة
ولا نظرة انتصار.
لم تقل كلمة إضافية.
كأن وجوده لم يعد يستحق رد فعل
ولا حتى جهد تجاهل.
لكنها
وقبل أن تختفي تماما وسط الحشد
تركت خلفها جملة واحدة.
جملة قصيرة
هادئة
انسابت في الهواء كنسمة عابرة
لكنها حملت ثقل سنوات كاملة من الصمت
والتحمل
والنهوض من تحت الركام
شكرا لأنك تركتني يومها.
تجمدت الكلمات في مكانها
كما لو أنها اختارت أن تبقى معلقة في صدره إلى الأبد.
وبقي فيكتور واقفا في قلب البهو
محاطا بالفخامة التي كان يظنها درعه
وعدسات الكاميرات التي تلتقط لحظة سقوطه
وهمسات الناس التي انتشرت كالڼار في الهشيم.
كان وحيدا
لا لأن المكان خلا من البشر
بل لأنه أدرك أخيرا
وبوضوح قاس
أن كل ما كان يظنه تفوقا
لم يكن سوى جهل بقيمة المرأة التي
سخر منها يوما.
وفهم متأخرا
أنها لم تكن يوما أقل منه.
لم تكن ظلا في حياته
ولا هامشا في قصته.
بل كانت منذ البداية
فوقه بخطوات.