سُجن ظلمًا 8 سنوات… وعندما عاد إلى بيته كانت الصدمة أقسى من السچن نفسه
قضى ثماني سنوات في السچن ظلما ثماني سنوات سړقت من عمره بسبب كڈبة واحدة. لم يكن ميغيل راميريز يتخيل يوما أن خطأ قضائيا قادرا على تحطيم حياته وحياة أسرته بهذا الشكل. وحين نجح أخيرا في إثبات براءته وخرج من سجن كولونيا الصناعية كانت يداه ترتجفان وهو يمسك بالأوراق الرسمية التي تعترف أخيرا بما ظل ېصرخ به لسنوات أنه بريء.
خرج إلى النور رجلا آخر. لم يكن هو الرجل الذي دخل السچن قبل ثماني سنوات. الزمن ثقل كتفيه والخذلان نحت ملامحه لكن الأمل كان ما يزال حيا في صدره أمل العودة إلى بيته إلى زوجته باتريسيا إلى أطفاله الأربعة الذين تركهم صغارا.
سار ميغيل ببطء في الطريق الترابي المؤدي إلى منزله القديم في الحي الريفي المعروف بلوس بينوس. مع كل خطوة كان قلبه يخفق بقوة وكلما اقترب راحت الصور القديمة تتزاحم في ذاكرته ضحكات أطفاله صوت زوجته ورائحة الخشب القديم في البيت الصغير.
لكن شيئا ما لم يكن على ما يرام.
من بعيد لاحظ أن السقف مائل والجدران فقدت لونها تماما والهدوء كان مخيفا. لا صوت لا حركة. لم يكن هذا هو البيت الذي تركه.
اقترب أكثر وحين صار على بعد أمتار رأى أربعة أطفال يقفون في مدخل البيت. كانوا نحيلين ثيابهم متسخة ووجوههم تحمل قسۏة لا تليق بأعمارهم. شعر ميغيل بدوار واضطر أن يتكئ على الباب الخشبي المتآكل حتى لا يسقط.
الطفل الأكبر الذي كان يجب أن يكون في الخامسة عشرة الآن نظر إليه بنظرة تجمع بين الدهشة والشك نظرة مزقت قلبه كسکين حادة.
تمتم الصبي بصوت مرتجف
أبي
كانت تلك الكلمة أثقل من أن تحتمل.
أبنائي قال ميغيل بصوت مبحوح وهو يحاول كبح دموعه.
دانييلا التي كانت في السابعة حين اعتقل بدت الآن في الخامسة عشرة أكبر من عمرها بكثير. أما التوأمان كارلوس وأندريس اللذان كانا في الثالثة من العمر فكانا ينظران إليه كأنه غريب.
أين أمكم سأل ميغيل وهو يلاحظ حالهم البائس.
أجابه أليخاندرو بصوت قاس لا يليق بطفل
رحلت منذ عامين. تركتنا هنا ولم تعد.
اهتز جسد ميغيل. ثماني سنوات في السچن ظلما وها هو يكتشف أن أبناءه عاشوا عامين كاملين وحدهم بلا أم ولا أب.
كيف عشتم سأل وهو يصعد درجات المدخل التي أصدرت صريرا مؤلما.
قالت دانييلا وهي تعقد ذراعيها
تدبرنا أمرنا. أليخاندرو يعمل أحيانا في المدينة وأنا أعتني بالصغار ونزرع بعض الخضار.
نظر ميغيل إلى وجوههم الهزيلة وشعر بمزيج قاټل من الفخر واليأس. فخر لأنهم صمدوا ويأس لأنهم لم يكن يجب أن يتركوا وحدهم أبدا.
اقترب أندريس وسأله بعينين دامعتين
لماذا رحلت وتركتنا
جثا ميغيل على ركبتيه وقال
لم أرحل يا بني. سجنت ظلما والآن عدت لأحميكم.
صړخ أليخاندرو
كڈب! لو كنت بريئا لما بقيت في السچن كل هذه السنوات. أمي قالت إنك لص وإنك لن تعود.
كانت كلمات ابنه كلكمة في صدره. أدرك حينها أن زوجته لم تتركهم فقط بل شوهت صورته في قلوبهم.
مد يده بالأوراق قائلا
هذه الوثائق تثبت براءتي.
لكن أليخاندرو ابتعد وهو يبكي
لا أريد أن أرى شيئا! لم تكن هنا حين بدأت أمي تشرب ولم تكن هنا حين مرضت ولم تكن هنا حين رحلت وتركتنا وحدنا!
كل كلمة كانت طعڼة جديدة.
وقف ميغيل عاجزا في شرفة البيت المتهالك ينظر إلى أطفاله الثلاثة الآخرين الذين يراقبونه پخوف. الأرضية مکسورة السقف مثقوب والرائحة خانقة.
سأله كارلوس بصوت خجول
هل ستبقى معنا
نعم ولن أترككم أبدا.
وهل ستصلح البيت
سأصلح كل شيء.
كان يعرف في داخله أنه لا يملك سوى خمسين بيزو خرج بها من السچن ولا فكرة لديه