على درج الخذلان بقلم الكاتبه نرمين عادل همام حصريا
بإنصاف
دافعي هو العدالة لنفسي ولزوجي الراحل الذي تعرضت رعايته الطبية للخطړ من أجل مكاسب مالية ونعم لأحفادي الذين يستحقون أن يروا أن الاستغلال والإساءة لهما عواقب بغض النظر عمن يرتكبهما.
عندما عدت إلى مقعدي ضغط حسن على كتفي داعما.
بعد الغداء وصلت المفاجأة التي كنا ننتظرها دخل الدكتور كمال طبيب الأعصاب الذي عالج إبراهيم إلى القاعة. شحب وجه سامية بوضوح.
شهد الدكتور كمال عن حالة إبراهيم بعد حاډث السيارة نشاط دماغي مشجع استجابات إيجابية للمحفزات وخطة علاج أوصى بها. قال بوضوح
في رأيي المهني أظهر السيد إبراهيم علامات واعدة للشفاء المحتمل وقد تفاجأت عندما سحبت أجهزة الإعاشة ضد توصيتي.
حاول محامي سامية إنقاذ الموقف
لكن السيدة سامية كانت تمتلك توكيلا طبيا وكان ذلك ضمن حقوقها.
أقر الدكتور كمال
قانونيا نعم لكن طبيا كان القرار سابقا لأوانه.
بحلول وقت متأخر من بعد الظهر دعت القاضية حياة لاستراحة قصيرة قبل المرافعات الختامية. في الردهة واجهتني سامية بمفردها وتعبيرها غير مقروء وقالت بهدوء
لسه فيه وقت نوقف ده كله قبل الحكم وقبل ما الأمور تروح أبعد.
درست وجهها باحثة عن أي علامة ندم حقيقي. لم أجد شيئا.
قلت
فات الأوان من اللحظة اللي قررت فيها إن حياة أبوك أقل من بوليصة تأمينه.
انهار تماسكها أخيرا
إنت ما تعرفيش الضغط اللي كنا فيه الديون شغل نبيل كان بيفشل كنا محتاجين الفلوس.
كان هذا أقرب شيء إلى اعتراف. سألت
وهل ده يبرر كل اللي حصل القبو العزلة التخطيط للتخلص مني في حدائق الغروب
لم يكن لديها جواب فقط استياء يغلي في عينيها.
قلت وأنا أبتعد
هذه غريبة تشاركني دمي لكنها لا تشاركني قيمي. أراك بالداخل.
وأنا أعود إلى القاعة شعرت بخفة غير متوقعة. مهما كان قرار القاضي فقد استعدت صوتي وكرامتي وحقيقتي وربما كان ذلك أعظم انتصار على الإطلاق.
بعد ستة أشهر من الحكم كان المنزل أكثر هدوءا. سارت العملية القانونية ببطء أكثر مما كنا نأمل لكن بنتائج نهائية انتقلت سامية ونبيل للخارج كشرط لفترة الاختبار والتسوية المدنية في صفقة إقرار بالذنب. تجنبا السچن بالموافقة على التعويض المالي الكامل وخمسمئة ساعة خدمة مجتمعية واستشارة نفسية إلزامية.
كان من الصعب إثبات التهم الجنائية المتعلقة پوفاة إبراهيم فورا فاستبدل بها تحقيق منفصل مستمر.
الآن أجلس في حديقتي أستمتع بشمس الربيع عندما وصل حسن ومعه الغداء سلة نزهة وزجاجة شاي مثلج. علق وهو يجهز وجبتنا على طاولة الفناء
الورد بقى جميل قوي رجعتي الروح للحديقة كلها.
وكان ذلك صحيحا. كانت زهور الكوبية تزهر من جديد وجذبت مغذيات الطيور العصافير وكانت رقعة الخضروات التي ساعدتني ليلى في زراعتها تنتج خسا وأعشابا ربيعية مبكرة.
سأل حسن بحذر ونحن نأكل
في أي أخبار عن سامية
هززت رأسي
مش بشكل مباشر المعالجة النفسية بتاعتها كلمتني امبارح. يبدو إن جزء من علاج سامية هو محاولة إصلاح اللي أفسدته
التحقق مما إذا كنت منفتحة على التواصل قبل المضي قدما. سألني حسن إن كنت كذلك. تنفست ببطء ونظرت إلى الحديقة التي أنشأناها أنا وإبراهيم معا وقلت بصدق
مش عارفة جزء مني بيقول لأ طبعا وجزء تاني فاكر إنها لسه بنتي.
غطى حسن يدي بيده. في الشهور التي تلت المحكمة تعمقت صداقتنا لتصبح شيئا أكثر رقة ومودة لم يتوقعها أي منا لكننا رحبنا بها. قال لي
مفيش أي استعجال في القرار. الحدود اللي حطيتيها صحية ولازم هي تحترمها.
قاطع جرس الباب غداءنا. ظهر عمر عند باب الفناء وقال
يا جدتي أمي هنا.
تسارع قلبي. قلت
أنا ما وافقتش أشوفها دلوقتي.
قال عمر
عارف قلتلها كده بس هي أصرت وقالت إنها عايزة تديك حاجة بس ووعدت إنها مش هتقعد لو مش حابة.
تبادلت النظرات مع حسن الذي أومأ داعما وقال
أنا هكون هنا في أوضة المعيشة.
وقفت سامية بارتباك وهي تحمل طردا صغيرا. بدت مختلفة أنحف وأقل أناقة ترتدي جينزا وكنزة بسيطة بدل ملابس المصممين المعتادة. قالت بهدوء
شكرا إنك وافقتي تشوفيني يا ماما.
أجبت وأنا أحافظ على مسافتي
أنا ما وافقتش على محادثة عمر قال إن عندك حاجة تديها لي.
مدت الطرد وقالت
لقيت ده في المخزن وحسيت إنه لازم يرجع لك.
فككت الطرد ببطء. بداخله ساعة إبراهيم ساعته القديمة التي أعطاها له والده والمفقودة منذ ۏفاته. اعترفت سامية وصوتها بالكاد مسموع
أنا خدتها بعد الچنازة كنت غاضبة جدا منه لإنه سابنا ولإنه تعرض للحاډث كان تصرف طفولي وغلط.
حملت الساعة ومررت إبهامي على وجهها البالي. ارتداها إبراهيم كل يوم من أيام زواجنا.
تابعت سامية عندما لم أرد
أنا في علاج نفسي دلوقتي مرتين في الأسبوع وأنا ونبيل منفصلين وقدمنا أوراق الطلاق.
رفعت رأسي متفاجئة.
قالت
المعالج بيساعدني أفهم ليه عملت اللي عملته تم تشخيصي بسمات نرجسية جاية من انعدام أمان في الطفولة. كنت دايما غيرانة من علاقتك بأبي ومن قربكم وحسيت إني مستبعدة.
مرت صور مراهقة سامية في رأسي تمردها بعدها استياؤها الدائم من الوقت العائلي. هل فاتني شيء جوهري هل صنعنا أنا وإبراهيم دون قصد أنماطا أسهمت في تشكيل هذا الشخص المتضرر
أضافت سريعا
ده مش عذر بس سياق بحاول أشتغل عليه.
ساد الصمت بيننا. ثم قلت بهدوء
شكرا على رجوع الساعة.
أومأت واستدارت للمغادرة ثم توقفت وقالت
مدفوعات التعويض مستمرة زي ما المحكمة أمرت. اشتغلت وظيفة مساعدة إدارية في كلية المجتمع مرتب بسيط مقارنة بشغلي القديم بس شغل شريف.
سألت نفسي إذا هذا ما كانت تفعله طوال تلك السنوات مديرة تسويق في سلسلة منتجعات صحية الصناعة ذاتها التي كانت تأمل دخولها باستخدام أموالي. اكتملت قطعة اللغز أخيرا.
سألتها
ونبيل
قالت
آخر خبر عندي إنه بيواجه تهم احتيال من شغله الاستشاري وإحنا ما بنتكلمش. ليلى وعمر مرحب بيهم يزوروني لو حبوا بس هم مش عايزين دلوقتي.
قلت
ده قرارهم وهم كبار كفاية يختاروا.
صمت محرج. وضعت يدها على مقبض الباب وقالت فجأة
أنا مش متوقعة تسامح وأنا نفسي مش مسامحة نفسي. بس أنا آسفة يا ماما آسفة على كل حاجة.
ولأول مرة رأيت شيئا حقيقيا في صوتها شرخا في القناع لمحة ندم صادق. قلت بحذر
أنا مصدقة إنك آسفة دلوقتي بس الثقة بترجع بالأفعال المتواصلة مش بكلمات ولا بندم لحظي.
أومأت متقبلة هذا الحد وسألت
ينفع أكتب لك كجزء من علاجي مش لازم تردي.
فكرت ثم قلت
اكتبي يمكن أقرا الرسائل فورا ويمكن لأ. أنا محتاجة وقت.
قالت
طبعا.
ثم فتحت الباب وأضافت
شكرا إنك شفتيني النهارده ده أكتر مما أستحق.
بعد مغادرتها عدت إلى الحديقة حيث كان حسن ينتظر بصبر. أريته ساعة إبراهيم ورويت له زيارة سامية غير المتوقعة. سألني بلطف
إنت حاسة بإيه دلوقتي
حدقت في الحديقة وفي المنزل الذي استعدته وفي هذا الرجل الطيب الذي ساعدني على استعادة حياتي المسروقة وقلت ببطء
بفكر إن التسامح والمصالحة حاجتين مختلفتين. ممكن في يوم ألاقي طريق للمسامحة علشان سلامي أنا لكن المصالحة محتاجة أكتر من اعتذار واحد أو لحظة وضوح.
قال حسن
ده تفكير حكيم والقرار قرارك وحدك وعلى توقيتك.
كانت أشعة شمس بعد الظهر تتسلل عبر الأشجار. شعرت بمزيج معقد من المشاعر حزن على ما ضاع وامتنان لما أنقذ وأمل حذر هش بأن الشفاء ربما يكون ممكنا يوما ما لكن في الوقت الحالي ظلت الحدود ضرورية والثقة مکسورة وتركيزي ثابتا على إعادة بناء حياتي يوما بيوم خيارا تلو الآخر وقرارا مستعادا تلو