على درج الخذلان بقلم الكاتبه نرمين عادل همام حصريا

موقع أيام نيوز


الآخر.
أشرق صباح عيد ميلادي الثالث والستين مشرقا وصافيا. مر عام كامل منذ ذلك اليوم المصيري الذي نقلتني فيه سامية ونبيل إلى القبو اليوم الذي أطلق في النهاية مسار استعادتي لكل ما حاولوا انتزاعه مني. وبينما كنت أستعد للتجمع الصغير الذي نظمه حسن لمحت انعكاسي في مرآة غرفة النوم المرأة التي تنظر إلي الآن لم تكن تشبه الشخص المنحني والخائڤ الذي انتقل إلى القبو قبل عام. شعري الذي كان يوما رماديا وأشعث 
عمدا ليتناسب مع روايتهم عن تدهوري أصبح شعري الآن مقصوصا بشكل أنيق وعاد لفضته الطبيعية. كانت وضعيتي مستقيمة ونظرتي مباشرة واستبدلت الملابس عديمة الشكل بأخرى تعكس شخصيتي بدل الصورة التي رسموها لي.
نادت ليلى من أعلى الدرج 
يا جدتي الناس بدأت توصل تحت.
تحولت غرفة المعيشة إلى احتفال عيد ميلاد دافئ. رحب حسن بالضيوف بينما رتب عمر الهدايا على طاولة القهوة. كان منزلي الذي أصبح ملكي حقا من جديد يضج بالدفء والمحادثات. حضرت سعاد الصحفية مع ثلاثة من زملائي السابقين من المكتبة ووصلت دلال مع زوجتها وهي تحمل زهرة أوركيد في وعاء حتى الدكتور سمير لبى الدعوة بدافع الفضول ليرى كيف تزدهر مريضته السابقة.
قال حسن وهو يناولني كوب عصير 
البيت جميل يا مريم وإنت كمان.
ابتسمت وأنا أرى التحول بعيني. بعد رحيل سامية ونبيل ساعدني حسن في إعادة الديكور استبدل الأثاث الرسمي الذي كانوا يفضلونه بقطع مريحة دافئة وتزينت الجدران البيضاء الصاړخة بأعمال فنية ملونة بعضها من لوحاتي التي عدت لاكتشاف هوايتي فيها بعد عقود من الإهمال.
نادت سعاد طالبة خطابا. لم أكن قد أعددت شيئا رسميا لكن الكلمات جاءت وحدها. قلت
قبل عام من اليوم انتقلت إلى قبو هذا المنزل وكنت أعتقد أنه لم يتبق لي أي خيار ولا صوت ولا مستقبل. واليوم لا أحتفل بسنة جديدة من الحياة فقط بل أحتفل باستعادة منزلي وأموالي وكرامتي والأهم إحساسي بنفسي.
رفعت كأسي نحو ليلى وعمر قرب المدفأة وقلت 
نخب أحفادي الذين أثبتوا لي أن شجاعتي لم تضع بل كانت مدفونة فقط. ونخب حسن الذي أصبحت صداقته شريان حياتي. ونخبكم جميعا لأنكم صدقتموني عندما لم يفعل الآخرون.
قرعت الكؤوس وعاد الضحك. انتقلت بين الضيوف أشارك وأضحك أستعيد الثقة الاجتماعية التي حطمت في يوما بعد يوم.
وأنا في طريقي إلى المطبخ تبعتني ليلى وقالت بهدوء 
يا جدتي في حد تاني برا على الشرفة. مش عايزة تزعجك بس سألت لو ينفع تسيب لك حاجة.
عرفت فورا.
سامية هنا
أومأت ليلى.
شكلها مختلف أحسن شوية. ولو مش عايزة تشوفيها هي فاهمة.
نظرت إلى حفيدتي هذه الفتاة الرائعة التي وقفت بجانبي عندما خانتني أمها وسألتها 
إنت شايفة أعمل إيه
أجابت بحكمة أكبر من سنها 
القرار قرارك. بس أنا بدأت أقرأ رسايلها وهي صادقة بشكل ما كانتش عليه قبل كده.
فكرت في الرسائل التي كانت سامية ترسلها أسبوعيا منذ ثلاثة أشهر كجزء من علاجها. قرأت بعضها وتركت بعضها مغلقا. التي قرأتها حملت وعيا موجعا بالذات وندما حقيقيا مختلفا عن اعتذارات الماضي المتلاعبة.
قلت 
هكلمها شوية بس.
طلبت من ليلى تبقى قريبة وضغطت على يدي وقالت 
أنا على الشرفة الأمامية.
جلست سامية على الدرج وبجوارها كيس هدايا صغير. عند فتح الباب وقفت مترددة وقالت بصوت ناعم 
عيد ميلاد سعيد يا ماما مش هطول بس كنت عايزة أديك ده.
تناولت الكيس. كان داخله دفتر يوميات مصنوع يدويا مزين بزهور مضغوطة. قالت مرتبكة 
عملته في مجموعة العلاج بالفنون والزهور من طريق المشي اللي كان بابا بيحبه.
تتبعت الزهور بإصبعي.
جميل شكرا.
ساد صمت ثقيل. ثم قلت 
قرأت بعض رسايلك.
لمع الأمل في وجهها 
كلها حقيقية العلاج صعب ومواجهة نفسي أصعب.
سألتها عن نبيل.
قالت 
الطلاق تم وهو بيؤدي خدمة مجتمعية. وأنا شغلي في كلية المجتمع مرتب بسيط بس شريف.
قلت 
كويس.
وقبل أن تغادر ناديتها 
سامية.
التفتت.
ينفع تقعدي تاكلي حتة كعك مش غفران بس خطوة صغيرة.
دخلت. ظل حسن يراقبني بابتسامة دعم وضغطت ليلى على كتف أمها بينما تابع عمر المشهد بحذر وفضول.
مع نهاية المساء رحلت سامية بعد قطعة كعك واحدة مدركة للحدود ومحترمة للبداية الهشة.
جلست أنا وحسن على أرجوحة الشرفة. سألني 
إنت بخير
قلت بعد تفكير 
مش ملتئمة بس قلبي مفتوح لإمكانية إن الناس تتغير حتى لو العلاقات عمرها ما ترجع زي الأول.
قال 
دي هدية عيد ميلاد لوحدها.
نظرت إلى النجوم وقلت 
أعظم انتصار مش كان في المحكمة كان إني لقيت نفسي تاني.
ضغط على يدي.
كانت موجودة دايما مستنية بس اللحظة.
وتحت سكون الليل أدركت أنني انتقلت من سجينة قبو إلى سيدة منزلها ومن ضحېة تلاعب إلى امرأة عرفت قيمتها وعرفت نفسها بشروطها الخاصة معقدة مچروحة مرنة 
وفي النهاية غير قابلة للكسر.
بقلمي نرمين عادل همام
تمت

تم نسخ الرابط